الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . وبعد ، لقد مرت بنا سريعا تلك الأيام المباركات ..... أيام عشر ذي الحجة .... بما فيها من نفحات وفيوضات إلهية .... ورأينا مسارعة المسلمين فيها إلى فعل البر والخير في مجالات متنوعة وازدادت مسارعتهم في ذلك اليوم العظيم .... يوم عرفة الذي أخبر عن فضله نبينا محمد r بقوله : ((ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة،و إنه ليدنو،ثم يباهي الملائكة ، ويقول : ما أراد هؤلاء ؟) ثم أتى علينا يوم العاشر منها ... ذلك اليوم الذي سماه ربنا جل وعلا في كتابه بيوم الحج الأكبر ، وما هذه التسمية إلا إعلام بفضله وتقرير لأهميته . وها نحن نستعد لاستقبال الوفود العائدة من بيت الله الحرام .... تلك الوفود التي سمت أرواحها ومحيت ذنوبها وملئت قلوبها خشية وإجلالا لربها جل وعلا والتي طالما لهجت ألسنتها بهذا الدعاء الجميل : اللهم اجعل حجنا مبرورا وسعينا مشكورا .... ولابد لنا وللمسلمين عامة أن نتخذ من هذا الموسم العظيم محطة نتزود منها في طريقنا إلى الله تعالى .... وننهل من معين دروسه ومعانيه العذب الذي لا ينضب ونجعل منها منهاجا لحياتنا وقانونا ننظم به شؤوننا .... نريد أن نستفيد معنى التوحيد الخالص لله تعالى وإفراده بالعبودية وأن نحرص كل الحرص على ألا تشوب أعمالنا شائبة رياء أو عجب مهما صغرت وحافزنا في ذلك وحادينا قول الله تعالى في معرض حديثه عن تكليفه لخليله إبراهيم عليه السلام ببناء البيت الحرام ، فقال تعالى : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ونريد كذلك أن نستفيد معنى الإخاء والتحاب في الله وصفاء القلوب والصدور وأن يحمل المسلم هم المسلمين في قلبه دائما .... فيفرح لفرحهم ويحزن لترحهم ....وبين ناظريه قول الله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ، وإن ما يزكي هذا المعنى ويقويه .... ذلك المشهد المهيب للمسلمين وهم وقوف على عرفات الله وقد التحموا لحمة واحدة .... لا فرق بين غني وفقير ولا بين أسود وأبيض .... الكل متراصون جنبا إلى جنب وقد أخذت حناجرهم تلهج بهذا النشيد العذب : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . فالحج إذن أيها الأحباب مدرسة ربانية ... يتعلم منها المسلمون منهجا خالدا وقانونا عظيما وينتقلون بها من حج المظهر إلى حج الجوهر وتكون بها كل حياتهم تنفيذا وتحقيقا لحديث النبي r : (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك)والله ولي التوفيق ،،، |